بعد توقف
بينالي القاهرة الدولي نهاية عام 2010، ظهرت الحاجة إلى حدث دولي حيوي في مصر،
فأقيم (Something else
off Biennale Cairo/شيء آخر خارج بينالي القاهرة) كحدث موازي
للبينالي الرسمي بهدف خلق "طرق مختلفة من التواصل وطرق مختلفة للعرض،
ومواضيع وتعريفات مختلفة للفن "، وجعل توجهه الأساسي منذ دورته الأولى في
2016 ألا يصبح الفن معنيًّا بالفن وحسب، بل معنيًّا بالناس أيضًا"؛ فـ(شيء
آخر) مبادرة دولية مستقلة غير هادفة للربح في مجال الفنون البصرية، هدفها تطوير
الفن والثقافة المعاصرين في مصر.
في نسخته الثانية المقامة بين (1نوفمبر:15ديسمبر2018)،
والتي تضم عددًا كبيرًا من الفنانين الدوليين، بأعمال فنية مثبرة للجدل، كان لنا
حديث مع الفنان شريف العظمة أحد المشاركين في البينالي، فنان بصري معاصر،
قام بتدريس الفن المفاهيمي بالجامعة الامريكية وجامعة فونن بالدنمارك.
(قرابين)
و(قرابين الحياة والموت)، أعمال فنية متعددة الوسائط، تجمع بين الرسم والتصوير
الفوتوغرافي والكتابات وبعض المجسمات المصنوعة من البوليستر، كيف يمكننا قراءة
العمل؟
العمل -كأي عمل مفاهيمي- ذو مرجعية
بحثية، يضم شعرًا غير وصفي، كلماته مختزلة جدًا، في محاولة للنظر داخل خيالي الخاص
عن زيارتي لبيت كان مؤسسة لحماية الحيوان، سكن به طبيب لم يكن من محبي الزوار، ولم
يهتم بالكيفية التي يرى/يقرأ بها الآخرون كيانه الخاص. كان يعمل مع الحيوانات لكنه
لا يتحدث عنهم، مما كون لدي شعورًا بأنها قد تكون متواجدة في المكان الآن لكن لا
يمكنني أن أراها. بدأ خيالي في الربط بين المُكيف الموجود بالمكان وفك الحوت، ومع
البحث علمت أن فك الحوت هو عبارة عن مجموعة من الأعواد المتراصة، والهدف منها
تصفية المياه، والتي استخدمت في صناعة ملابس النساء في العصر الفيكتوري، فتخيلت أن
هذا اللباس قد يُغرق من ترتديه. وتخيلت الطبيب ذاهبًا إلى الصحراء، فجلست أتأملها،
هل تكون من خلال صورة؟ بل من خلال لوحة، وكأن شخصًا ما قام بتوثيق الخيال.
كل الأفكار
مجمعة معًا تعرض للحقيقة والخيال في الوقت ذاته. أشبه ما يكون بالسينما؛ حالة ما
بين الحقيقة والخيال. كما تضيف لغة العلوم مناطق أخرى للبحث. بالإضافة إلى جانب
فسيولوجي وسيسيولوجي هام ظهر في العمل من خلال تعامل الطبيب مع المجتمع والحالة
المحبطة التي آل إليها.
الجزء المجسم
من العمل -الشبيه بالمتاهة- ذو مرجعية لغوية أساسية، خلق مساحه للصلاة ذات وظيفة،
فإذا قام أحدهم بسكب الماء أو النبيذ في أعلاها تحرك عبر المجرى إلى الأسفل حيث
يمكن جمعه مرة أخرى. الفكرة متواجدة قديمًا في الحضارة اليونانية/الرومانية؛ أشبه
بالطقس، لكنه وظف في العمل بصورة أكثر معاصرة.
الخامات
داخل العمل الأساس في اختيارهم البحث أم التجربة؟
في الجزء الكتابي، اختيار الرخام
مرجعه لفكرة اللوحات الجدارية التوثيقية، التي توضع على الحائط تخليدًا لإنشاء
مؤسسة ما. فاختيار العناصر هو نتيجة للبحث والتفكير، وقد يكون ارتجاليًّا بعد
تجربة البحث بناءً على معطياته، مع بعض التوازنات بين العناصر. أردت أن لا يتشبه
العمل بالمتحف بصورة مسرحية أو مفتعله، لكن بعض الجمهور ينجذب أكثر إلى المجسمات
الشبيهة بتلك التي في ذاكرته، وقد يتجاهل اللغة، والعكس صحيح.
ما هو تصورك عن دور الناقد بين فنان
باحث ومتلقٍ يعيد تأويل العمل وفقًا لخبراته وحصيلته المعرفية، وفي ظل نظريات
وفلسفات تنادي بموت الناقد؟
دوره فهم طريقة تفكير الفنان، من
خلال أعماله أو قراءاته الخاصة. أو الرجوع لأحدى طرق ومناهج التفكير في المفاهيم،
ومنها استخدام فكرة الدلائل؛ بعرض بعض العناصر ذات الدلالات الواضحة للمتلقي، ثم
توجيهه إلى منطقة أخرى مغايرة عن المألوفة. ومنها استخدام لغة العلوم في سياق فني.
وهناك طريقة تمزج بين الأسلوب الأول والثاني.
المقصود أن دور الناقد عرض منهجية
تفكير الفنان، وليس تحليل عناصر العمل والعلاقة بينهم؟
من الممكن أن يقدم الناقد قراءات
تحليلية دون اعتبارها الهدف الأساسي للعملية النقدية؛ "مش رايح يفك
شفرة"، لكن الأفضل عرض لمنهجية تفكير الفنان، ولا شيء صحيح حد يتكلم الفنان
نفسه. في
عمل يوسف ليمود على سبيل المثال، العناصر متراصة على الأرض، من الصعب تحليل
العلاقات بينهم بالطريقة التقليدية، (هيقول إيه! خشبة مايله على خشبة!)، لكن يمكن
تقديم قراءات للعمل من منظور أنثروبولوجي، ومن النظر إلى المرجعية الفكرية
والمنهجية للفنان، وبالنظر أيضًا لفنون الحضارات القديمة في علاقتهم بالأرض.
زاوية من عمل الفنان يوسف ليمود المشارك بـ بينالي شئ آخر
لا
يوجد قبول واسع للفن المفاهيمي في مصر، فلماذا إصرارك على تقديمه؟
الفن المفاهيمي أشبه بعملية التفكير،
ربط الجمهور بالعملية البحثية. الإلهام في الفن المفاهيمي ليس مرتبطًا بالبحث في
تاريخ الفن فقط، لكن في الفلسفة والعلوم أيضًا. في رأيي أن أزمة تعليم الفنون في
مصر منبعها شدة التخصص! بمعنى أن دارس الفن يدرس فنًّا فقط بمعزل عن باقي العلوم
وطرق التفكير.
أعمالي تتوازن بين الشكل المفاهيمي
والجمالي، على الرغم من رغبتي في عدم الانتماء الكلي لأي طرف منهما؛ لأن سياسة
المتفرج ذكية جدًا، والانترنت شكل له حصيلة بصرية مفاهيمية واسعة من الصور
والأشكال. هو لم يعتد الفن المفاهيمي، لكن لديه مفاهيمية عن الصورة ولغة الصورة،
ويمكنه ببساطة التمييز بين الصورة القديمة والحديثة، ويربطهما بغرض ما لدى الفنان.
الجمهور ذكي. هدفي
من تقديم فن مفاهيمي له هو الاصطدام مع مخزونة البصري الممتلئ بالصور والروابط.
تقديمي للفن المفاهيمي مرتبط باهتمامي بعلم الصورة، وليس محاولة لتأكيد ذاتي كفنان
مفاهيمي.
في
رأيك ما هي أسباب عزوف الجمهور عن المعارض الفنية؟
التقصير الملحوظ في حركة الفن
الدولية بعد الثورة وحالة اللامبالاة الجماعية وقلة الدعاية، مهما أشيد بدور
"درب" في إقامة بينالي دولي بعد توقف البينالي الرسمي؛ لأن الوضع
الاقتصادي الصعب في اعتقادي جعل احتواء الفنون غير الهادفة للربح أمرًا عسيرًا،
والاستمرار عن طريق المنح بصورة اعتمادية شيء خطير.
هل
يمكن أن يكون اعتماد عروض الفن المفاهيمي على اللغة الإنجليزية في الإعلان عن
نفسها سببًا في ندرة الجمهور؟ مع كون العرض حدثًا دوليًّ، ما المانع من تجاور
اللغتين العربية والإنجليزية؟
بالتأكيد هو واحد من الأسباب. بعض
المؤسسات تتناسى في سعيها للعالمية أهمية التواصل مع الجمهور المحلي، ويكون
المردود هو اتساع الفجوة بين الجمهور والفن. وهناك سبب آخر هو ندرة المراجع
العربية عن الفن المفاهيمي. فدراسة الفن المفاهيمي مقترنة -بصورة كبيرة- بالتمكن
من دراسة لغة ثانية، وهو ما قد يشكل عبئًا إضافيًّا على طلاب الجامعات الحكومية،
ويزيد من النظر تجاه تلك الفنون كفنون نخبوية مرتبطة بالغرب. فالفن المفاهيمي تخصص
وليس نوعًا من الوجاهة الاجتماعية. نحن بحاجة إلى حركة منظمة للترجمة، فلنبدأ بمئة
كتاب كبديل لإرسال الطلاب للخارج فننشئ لهم مكتبة هنا تمكن عددًا أكبر من المطالعة.
لا شيء يضاهي وجود الكتاب كمرجع دائم للباحث.
كيف
يمكن التقريب بين الجمهور والفنون المفاهيمية؟
بداية نزع صفة الجمود عن الفن
المفاهيمي، فهو لا يرفض الجمال كليًّا، فقد يكون عمل ما جميلا ومفاهيميًّا في آن
واحد. كذلك يجب التعريف بوجود لغات فنية أخرى لا تحوي داخلها التشخيص أو الجماليات
كعنصر أساسي. النحت المفاهيمي الآن يلاقي قبولا واسعًا من الجمهور. فنحن في حاجة
لكتابة وإعلام يقربان بين الجمهور والفن. أعتقد أننا كجمهور عريض في مصر غير
مستعدين بشكل كافٍ للفن المفاهيمي، وفي احتياج لكتابة وإعلام يقربان بين الجمهور
والفن، فالتخصصات المحددة جدًّا في الفنون لا تجد من يدعمها في مصر.
هل
سبب القبول راجع لطبيعة لغة النحت كواحد من أقدم اللغات/الوسائط الفنية؟
بالتأكيد، فالوسائط الجديدة والمتعددة خلقت حالة من التشويش عند النقاد
والأكاديميين. من منظورهم هي تعبير عن حالة التشوش لدى الفنان؛ وعدم ثقة فيما يود
طرحه، فيقوم بجمع وسائط متعددة بشكل متجاور، وذلك لغياب مفهوم الحرفة/الصنعة
بشكلها المتعارف عليه. بخلاف أن الفن المفاهيمي لا يقدم نفسه كجزء من تاريخ الفن،
ولكنه يتجادل مع تعريفاته السابقة.
شبكات
التواصل والانترنت، هل بإمكانهم القيام بدور إعلام مستقل لدعم الفن المفاهيمي؟
مؤسسات الفن المفاهيمي في مصر ثلاثة
(درب1817، التاون هاوس، جيبسوم)، وأحيانًا ينضم إليهم DE-caf، هذا عدد قليل جدًّا، لا يستطيع تحمل الدور
الإعلامي والتسويق للفنون المفاهيمية. القاعات الأخرى لا تستطيع عرض أعمال فنية
غير ربحية، فقط من حين لآخر قد يدعوننا لعرض مفاهيمي ليظهروا بمظهر القاعات التي
تستوعب كافة الاتجاهات. ذلك يخلق جبهتان متعارضتان في الحركة الفنية، والخاسر هم
الفنانون المهتمون بالفنون المفاهيمية دون دعم مادي أو إعلامي أو تقني، فيصبح
الفنان مع كل عرض وكأنه عارض للمرة الأولى. يعود الفن في أماكن مختلفة من العالم الآن
إلى تقديم المحتوى الجمالي لحسابات السوق، رغم إمكانية الفن المفاهيمي للتواجد
بأساليب متعددة. يمكن أيضًا اعتبار انعزال الفنان اجتماعيًّا سببًا آخر في الفجوة
بين الفن والجمهور. فالفنان يرغب في الشعور بالألفة والأمان، فيجالس فنانين أخرين،
فيظل الحديث عن الفن سجين دوائر صغيرة مغلقة.
في
ظل غياب الكتابة المتخصصة عن الفن المفاهيمي، ونقص الدعم والدعاية، من أين نبدأ؟
البداية مرتبطة دائمًا بجهود ذاتية
نابعة من الاهتمام والرغبة في المعرفة. طرق تعاطي الفنون دراسيًّا في الجامعات
المصرية ليست بأفضل حال، وزاد الأمر سوءًا وفاة بسيوني ورحيل النشوقاتي للجامعة
الأمريكية. ذلك بخلاف الطلاب المطحونين في تفاصيل الحياة اليومية مقابل حاجاتهم
المُلحة لتطوير قدراتهم. فالأساس هو التعليم.






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق