(عرض يهدف لطرح التساؤلات)
مع عودة بينالي القاهرة في
نسخته الثالثة عشر، تعالت الأصوات السعيدة/المؤيدة للعودة القوية لدور الدولة في
المشهد الفني، مُطالبةً بالمزيد، من عودة لبينالي الاسكندرية، وبينالي الخزف و
غيرهم من الأنشطة الدولية التي تقدمها الحكومة متمثلة في قطاع الفنون التشكيلية. وأقيمت
مجموعة من العروض الفنية والفاعليات بهدف استثمار الحضور الدولي في البينالي.
بالعودة إلى الوراء قليلًا، يؤرخ
البعض للفن المعاصر في مصر مع العام 1989 وانطلاق النسخة الأولى من صالون الشباب.
كما يشار إلى ظهور التاون هاوس أحد أهم أركان الحراك الثقافي المستقل في تلك
الفترة لما قدمه من دعم لأنواع من الفنون لم تكن موضع ترحيب في القطاع الحكومي.
حاول كل منهما (القطاع
الحكومي / المشهد المستقل) إقصاء الآخر، والادعاء بانه صاحب الرؤية الأصوب في الممارسات
الفنية. ومن خلال خلق مجموعة من الثنائيات التي سيطرت على المشهد لعقدين كاملين
مثل (الاصالة/المعاصرة) (الذات/الأخر) (الحرية/السلطة). . . وغيرهم تكونت دوائر شبة مغلقة من أتباع كلا القطاعين،
حتى صار من المعتاد عند ذكر أحد الفنانين في الحوارات الجانبية/الخاصة أن يطلق
عليه (ده من بتوع القطاع) أو (ده من بتوع التاون هاوس والحاجات اللي مش مفهومة
دي).
وبذلك أنتقل المشهد الفني من أحادية
الدولة إلى الثنائية بين الدولة والقطاع (الخاص/البديل/المستقل..) أيًا ما نطلق
عليه.
لفهم تلك الحالة الثنائية،
ينبغي لنا العودة إلي جدلية هيجل ونظريته في تطور التاريخ. حيث يرى أن للتاريخ
مسار تطوري دائري ضد الثبات، يقوم ذلك التطور على الصراع الذي ينشأ من تفاعل الفكرة
ونقيضها في محاولة للوصول إلى الحقيقية المطلقة، يقوم كلًا الطرفين بإعادة استخدام
(الحقيقة المطلقة) للانتصار على الأخر وإقصائه.
فـ "ما من شيء أفضل
للتقدم من وجود معارضين أقوياء"[1] وهو ما يمكن أن نستعرضه في تطور المشهد الفني منذ بداية
الحالة الثنائية/الفن المصري المعاصر وصولًا إلى ذروة المشهد عام 2010 والنسخة الـ
12 من بينالي القاهرة الدولي. حيث أقيم على هامش تلك الدورة من البينالي مجموعة
كبيرة من المعارض الفردية والجماعية لاستغلال حالة التواجد الدولي. وقدم حمدي رضا (مؤسس
أرت اللواء) خريطة للعروض الفنية، التي شهدت حاله من الثراء والزخم وكان على رأسهم
المعرض الجماعي (كايرو دوكيومنتا).
تأسس كايرو دوكيومنتا على
ايدي ستة من الفنانين الشباب في محاولة لـ "الانشقاق من الشكل النمطي في
تنظيم الأحداث الفنية"[2] في مزامنة لحراك سياسي واجتماعي ضخم. مما أدى
إلى وصفه _أي المعرض_ بالحدث الثوري على القطاع الحكومي من قبل البعض.
فكما يشير هيجل إلى أن حالة التاريخ عبارة عن سلسلة من الثورات فـ "هو لا يرى أن الحروب والصراعات بين الأمم ضرورية للتقدم فحسب، بل إنه يرى أن فترات الرخاء والهناء والسلام الخالية من التناقض، ليست عصورًا تاريخية، ولا تعتبر مرحلة تاريخية أثناء عرض مراحل التاريخ!"[3] وبذلك جاءت الفترة ما بعد يناير 2011 من تاريخ الفن الممتلئة بالأمل والانتصار الكبير للحراك المستقل في قطاعات متعددة خالية من الصراعات بصورة ما، فلم يلاقي كايرو دوكيومنتا 2 نفس نجاح النسخة الأولى.
وبرر بعض المؤسسين (في لقاء مفتوح مع برنامج روزنامة) عدم نجاح النسخة الثانية من كايرو دوكيومنتا مقارنةً بالأولى إلى زوال السبب الاساسي في تأسيسه، وهو الصراع مع الكيان الحكومي/البينالي، كما استنكر البعض وجود ( Off biennale) في ظل غياب البينالي الرسمي لمدة 8 سنوات متتالية. رغم طرح الـ (Off biennale) نفسه كبديل للبينالي الرسمي وليس منافسًا له أو مجرد معرض على هامشه. والذي هو أقرب إلى الخروج الكامل من عباءة الدولة لصالح القطاع المستقل في محاولة لتأسيس ثقافة تعددية/ما بعد حداثية.
فبرغم من ما تحدثه الحالة الصراعية/الثنائية من تطور في محاولة كل طرف للانتصار على الاخر، إلا انها لا تخلو من العيوب فهي قد تعود بنا مره أخرى إلى سيطرة الدولة/الحالة الأحادية في حالة انتصار طرف على الأخر. كما أنها تؤسس للفاشية.
- هل تعد السعادة الغامرة بعودة البينالي محاولة لتأسيس دورة تاريخية جديدة من الفكر الثنائي في المشهد الفني؟ أم تنبىءبالانتقال للحالة التعددية؟ أو العودة إلى الحالة الأحادية؟
- هل ينبغي على الدولة أن تقييم البيناليات، أم تكتفي بدعم عروض وبيناليات خاصة، بصيغة أخرى هل ينبغي على الدولة إنتاج الثقافة أم دعم الثقافة؟


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق